و بعد ، فإن عملي في هذا الكتاب محاولة لنقل الإنسان المثقف من ساحة الدراسات الفكرية للإسلام ، إلى نطاق التمرس بأحكامه الفقهية قائمة على دعائمها العلمية ، في باب هو اليوم من أخطر ما يتهم بالحديث عنه المسلمون ، ألا و هو باب الجهاد .
و أحكام الجهاد كثيرة جدا" ، و الفصول المتفرعة عن بابه كثيرة هي الأخرى .
غير أني لن أتناول من أحكامه إلا ما هو مثار جدل و نقاش ، لارتباط واقع كثير من المسلمين أو الأسلاميين به ، أو ما هو مشكل في أذهان كثير من المسلمين فضلا" عن غير المسلمين . أي فلن أتحدث مثلا" عن أحكام السلب و الغنائم ، و لا عن أحكام الأسرى و سياسة الإسلام تجاههم .. إذ هي على الرغم من كونها أحكاما" فقهية تجب معرفتها و ينبغي توقع الحاجة إليها في كل عصر ، إلا أنها لا تعالج اليوم مشكلة ، كما أنها لا تنطوي بحد ذاتها على مشكلة تحتاج إلى بحث .
و المأمول من توفيق الله و لطفه ، أن ينهي هذا الكتاب عهدا" من الجدل العقيم حول مشكلات تتعلق بالجهاد و دوره في هذا العصر ، و أن يعود بالمتطلرفين إلى الجادة التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم بيضاء نقية . فلا نرى من المسلمين من يتبرم من شرعة الجهاد في هذا العصر ، و لا نرى فيهم من يحرص على أن يتخذ منه زماما" يقيد به أعناق الناس ثم يقودهم منه إلى حيث يطيب له أن يقودهم إليه ، أي كما يحب و يهوى ، لا كما شرع الله و أمر .
و المأمول أيضا" أن يكون للناس من هذا الكتاب مثل ، ينقلهم من ضبابية الأفكار المتصارعة باسم الإسلام ، إلى ضياء التبصر بالحقائق الإسلامية عن طريق الاستئناس بالفقه الإسلامي و أصوله و مصادره .
فاللهم حقق لنا و لأمتنا ما نرجوه ، و تقبل منا ما وفقتنا إليه ، لك الحمد في الأولى و الآخرة ، يا من هو ولي كل نعمة و كل توفيق .